Translation

Exchange Rates

June 14, 2022


American Dollar 3.446 0.17%
Euro 3.594 -0.13%
Jordanian Dinar 4.860 0.17%
British Pound 4.172 -0.51%
Swiss Franc 3.466 0.12%
100 Japanese Yen 2.567 0.40%

Data courtesy of Bank of Israes

كيف/ متى يكتب المبدع؟

prof Faruq muwasi, 19/12/2014

من الأدب ما يرتجله الأديب في ساعته، وهذه قدرة فـذّة لا يطيقها إلا من أوتي موهبةً يستنطق من خلالها قوالب محفوظة في ذاكرته، يخرج بعضها بمهارة وفنية باهرة أو بارعة. .. ومن الأدب ما يُكتب بعد إعمال الفكر، وبعد تدبر مسبق، يبقى طاقة مخزونة أو مضغوطة في وجدان المبدع حتى يجد له متنفَّسًا أو مخرجًا في لحظة التجلي. وهذه اللحظة قُـرِنت في أدبنا القديم بشيطان الشاعر، وحتى بشيطان الناثر– لدى ابن شهيد مثلا – وقرنت في الأدب اليوناني بجنية الشعر (موزا) ربة الإلهام مثلاً. .. وسبب تصور القوى الخفية نابع عن مجهولية الدافع للكتابة، فكم من خيبة ذريعة يُمنى بها من يحاول الكتابة قسرًا. وقد تحدث ابن رشيق في كتابه العمدة في باب (عمل الشعر وشحذ القريحة له) -ج1 ص 178 - أن الشاعر حتى ولو كان فحلاً حاذقًا فلا بد من فَـتْرة تعرض له في بعض الأوقات، واستشهد بقول الفرزدق: "تمر علي الساعة وقلع ضرس من أضراسي أهون علي من عمل بيت من الشعر". فالشاعر الذي يقصر في تعريفهم "يجبل" و " يفحم" أو "يرتج عليه". .. وفي النثر كذلك، فقد كانت للحريري تجربة لا يحسد عليها، إذ أُعجب الناس بمهارته في مقاماته، فأراد بعض الأمراء أن يختبر قدرته، فطلب إليه أن يكتب مقامة على غرار مقاماته، فأقبل الحريري على أدوات كتابته، و أعمل ذهنه، وهو يكد ويجد، وهيهات. ولن نعدم قصصًا أخرى مشابهة تدل على أن الإبداع طبع لا يواتى بالإرادة فقط. .. إن الأديب المطبوع بحاجة إلى مذاكرة تنعش ذاكرته، وإلى خَلوة تتيح التصور حتى يقدح زناد الخاطر، أو يفجر عيون المعاني، وإلى دافع داخلي يلح، وهو يقرع الباب بموسيقية مرهفة، وكثيرًا ما يكون هذا الدافع عشقًا كما كان حال ذي الرمة في إجابته: "وكيف ينغلق علي الشعر وعندي مفاتيحه – العشق؟" فمتى تجمعت للأديب أسباب الكتابة بكل ما تحمله كلمة (أسباب) من معان تيسرت له طرق الإبداع. .. وهذا لا ينطبق على المتأدب المتكلف الذي يعدّ القوافي ويجمعها حتى ينتقي منها ما يتكئ بها على قصيـدته، أو يجمع الكلمات الشعرية ليحوك حولها وينسج معاني لم تكن في وارده أصلاً. فمثل هذه الكتابة ستذهب هشيمًا تذروه رياح الزمن.... .. من الدراسات الجديرة بالاحترام ما قام به د. مصطفى سويف وهو ناقد جاد، يتناول الأدب باتجاهاته السيكولوجية، فقد أجرى بحثًا عن بدايات الإبداع، وذلك في كتابه "الأسس النفسية للإبداع الفني– في الشعر خاصة-"، واستخلص أن قصائد الشعراء غالبًا لا تبزغ فجأة، وإنما يكون لها مقدمات أولية. وقد سبق أن أشارت كاترين باترك في مقالة بعنوان: The relation of whole and part in creative thought- في المجلة الأمريكية السيكولوجية عدد 1 / 1941 – إلى أن الفكر المبدع يمر بأربع مراحل: .. ا- الاستعداد أو التأهب، حيث يستقبل المؤلف، وتتجمع لديه بضع أفكار وتداعيات، ولكنه لا يسيطر عليها، فهي تعبر بسرعة. .. ب- تأتي بعد ذلك مرحلة الإفراخ، إذ تبرز فكرة عامة (حال شعري)، وتكرر نفسها بطريقة لا إرادية من حين لآخر. .. ج- تتبلور الفكرة التي برزت بصورتها. .. د- تنسج هذه الفكرة وتفصَّل. .. وتلتقي هذه الرؤية بما كان ذكره برجسون في كتابه الطاقة الروحية (الترجمة العربية ص 149) أن الأديب أول ما يقوم في ذهنه شيء بسيط مجرد هو عاطفة أو بداية فكرة، تكون كُلاً، ثم ما تلبث أن تنقسم إلى أجزاء يعانيها المبدع ويعالجها بأدائه. .. إزاء ذلك كله نستطيع أن نتصور أن العمل الإبداعي ليس إراديـًا محضًا، ولا تلقائيًـا محضًا، بل إن عناصره تختلط فيما بينها. وهذه الحالة شبيهة بما وصف أبو نواس نفسه حين سئل: .. - كيف عملك حين تريد أن تصنع الشعر؟ قال : أشرب حتى إذا كنت أطيب ما أكون نفسًا بين الصاحي والسكران، صنعت وقد داخلني النشاط، وهزتني الأريحية. .. إن الكاتب في إبداعه تتولد لديه مواد جديدة، تبدو له وكأنه خلقها من جديد، أو التقاها لأول مرة، مع أن هذه المادة هي في ذاكرته غير المباشرة وفي حصيلة أناه ومخزونها. فإذا نجح المبدع في تصيـّد خواطره المستعصية على تقييدها، - وبعد أن ساورها وداورها– فإنه يوقظ أبصار الفطنة بها، ويصل إلى ملكوت الغبطة والمتعة قدر جهده فيها، ذلك لأن ضميره الخاص غدا ضميرًا عامًا، وفي هذا منتهى رضاه. وتحضرني في السياق إشارة كان طه حسين قد ذكرها ليعبر عن سعادة الكاتب عندما يخرج كتابه من ضميره الخاص إلى الضمير العام: ".... إن كل هذا يعوّضه عما عاناه من شقاء خير عوض، ويعلل ذلك بأنه حين يملك الصور التي يعرضها على القارئ يثق بأنه سيملك القارئ نفسه بل القراء جميعـًا، لا أثناء القراءة فحسب بل بعد القراءة بأزمان طوال. وربما كان هذا التعليل حقـًا. ولكن علماء النفس يقدمون تعليلاً آخر يفوقه أهمية، هو زوال التوتر الذي كان يعانيه الأديب طوال فترة الإبداع الفني، واستعادته توازنه الوجداني....." (من أدبنا المعاصر – ص 22).